أحمد بن علي القلقشندي
250
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
عذبة ، وكذلك سائر ما في وزنها نحو اخشوشن المكان ، واغرورقت العين ، واحلولى الطعم ، وما أشبه ذلك . قال في « المثل السائر » : وهذا كله مما أخذته بالاستقراء ، وفي اللغة مواضع كثيرة من ذلك لا يمكن استقصاؤها . فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ ، وعليك بتفقّد أمثال هذه الكلمات لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها ، فكثيرا ما يقع فحول الخطباء والشعراء في مثلها ، ومؤلَّف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرّت به الألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح ، فما يجده الحسّ منها موحّدا وحّده ، وما يجده الحس منها مجموعا جمعه ؛ وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ . الصنف الثالث المتوحش في زمن دون زمن وهو ما كان متداول الاستعمال في زمن العرب ، ثم رفض وترك بعد ذلك ، وبهذا لا يعاب استعماله على العرب لأنه لم يكن عندهم وحشيّا ، ولا لديهم غريبا ، كما سيأتي التنبيه عليه ، وإنما يعاب استعماله على غيرهم ممن قصر فهمهم عنه ، وقلَّت معرفتهم به ؛ وقد كان كلام العرب مشحونا به في نظمهم ونثرهم ، دائرا على ألسنتهم في مخاطباتهم ومحاوراتهم ، غير معيب ولا ملوم عليه ، وانظر إلى ما تضمنته خطبهم وأشعارهم من الغريب ترى ذلك [ غير معاب ] ، فمن ذلك قول أبي المثلَّم الهذليّ : آبي الهضيمة ناب ( 1 ) بالعظيمة متلاف الكريمة جلد غير ثنيان ( 2 ) حامي الحقيقة نسّال الوديقة معتاق الوسيقة لا نكس ولا وان ( 3 )
--> ( 1 ) في الصناعتين : 394 : « ناء » . ( 2 ) الثنيان : الذي يجيء ثانية في السؤدد . ( 3 ) نسّال الوديقة أي ينسل في الوديقة وهي شدّة الحرّ . وقد وردت هذه الأبيات باختلاف شديد في معجم الشعراء : ص 182 . والمعتاق : الذي يطرد الطريدة . الوسيقة : القطعة من الإبل .